مرت البياري
جلستُ قرب جدّتي، وزوجي جالس مع شيخي يتحدثان ويضحكان، وكنت أراقبهما بصمت. التفتتْ إليّ جدّتي بلمحة حنق راحت تقول: «ما يخافش عليك ولا يضربك؟ لو دار حاجة قوليلي ونوريه!» ضحكتُ وقالت: «لا لا، رانا غاية، الحمد لله.» ثم همست لي بحكمة: «شدي في راجلك واصبري معاه في الحلوة والمرة؛ الزواج هذا يفوت يوم شابَّه وعشرة.»
كانت ملامحها كلها حنان؛ لَطِفتها تُظهر لماذا ولدها صار متربيًا. تذكّرت كلام الناس زمان: لما يكون الوالدين ملاح، يولادهم يخرجو ملاح. بقيت أمي توصي عليَّ وتكرر: «قولي واش يحب وواش ما يحبش.» وضَحكنا كلنا من تلك الطمأنينة.
جاءت بنات العائلة ومعهنّ الطعام، وكنات البيت يدورن بيننا بالماء ليغسلونا أيديَنا قبل الإفطار. الرجال جلَسوا في جهة، ونحن النساء في جهة أخرى، وكل شيء ببركة ورائحة طيبة تغمر المكان. قلت لي أمي: «ياماه كلي طعام الشواوا، راهو أول مرة تذوقيه — لحسي صوبعيك عليه!» فالتقطتُ قطعة وأحسستُ بدفء العائلة يملأ قلبي.
ضحكتْ الكنات وقالت: «كي جات العروسة الجديدة نسيتينا وليتي مدللة غير فيها.» خجلت وابتسمت، ثم اضطربتْ جدّتي وقالت لهم: «صغرة نتاعكم سايسوها وديروها ختّكم.» تذكرتُ حكايات العائلة؛ كانوا يصورون العجوز شريرة في الحكايات، لكن في واقعنا كانت جدّتي وبناتها ناس طيبون، وإن كانو ظاهريًا صاروا يمازحوني أحيانًا.
حين فتشت عن سياغتي (مجوهراتي)، كانت في حقيبتي عند زوجي. قالت الكنة فايزة: «ما عندكش سياغة؟» وبدأوا يضحكون، فأجبتها: «لا لا، عندي.» فدعتني جدّتي: «يلاه نوضي البسيها.» ذهبتُ وأحضرتُ ما لديَّ وبدأت أرتدي. إحدى النساء قالت بنبرة مازحة: «بلاكيور مش ذهب!» وضحكوا جميعًا، وأنا أحاول ألا أبدو متأثرة.
خرجت الأساور والخواتم والمناقشات؛ وبعضها كان ذهبًا والآخر تقليدًا، وضحكوا وقالوا: «راكم تعرفين علاه، نتمسخرو معاك.» شعرت كأنهم يريدون أن يسقطوا غبار التحفّظ عني ويزيلوا الخجل، أما زوجي فكان يبتسم ويستمع. تذكرتُ ذات مرة سافر معي وأهداني عربة من تونس؛ وقيل إنّه صرف على الهدية بكاش، فقالوا لي مازحين: «نتِ كاش ما جابلك كادو؟» فقلت عن نيتي ببراءة: «لا، مزال.»
تبادلتُ معهنّ كلامًا بسيطًا عن ليالي الدخلة والذكريات، وهن يضحكن ويغمزّون. شعرتُ ببعض الحرج فلم أجد ما أجيبه لهم، لكن جوّ الضحك غطّى كل شيء. ثم نهضت الكنات وتركْنني لحظات مقيمة وحدي، بينما هدأت جدّتي وذهب إخوتها إلى المطبخ.
التفتُ فرأيت زوجي يحدق بي جالسًا؛ نهض وقال: «نروحو؟ قلقتي؟» فابتسمتُ وخفتُ قليلًا، ورددتُ بحنان: «لا لا.» فمد يده وقال: «يلاه يلاه.» ومضينا سويًّا، وقد امتلأ قلبي بدفء العائلة، وبصوت ضحكاتهم التي بقيت تعلو في أذني طويلاً بعد أن غادرنا.
